صديق الحسيني القنوجي البخاري
63
فتح البيان في مقاصد القرآن
أراد وروده فيه في الجملة ، فاحفظه ولا تلتفت لما سواه ، والذي عليه العلماء أنه تطلق الفواصل عليه دون السجع قاله الخفاجي . قال : ابن عباس يعني زكاة أموالهم ، وعن قتادة يعني الإنفاق في فرائض اللّه التي افترض عليهم في طاعته وسبيله كالزكاة والنذر وفي الجهاد وعلى النفس وقال ابن مسعود هي نفقة الرجل على أهله ، واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض والنفل ، وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر أتم إشعار بالتعميم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ أي يصدقون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ المراد به ما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو القرآن بأسره والشريعة عن آخرها ، والتعبير بالماضي مع كون بعضه مترقبا لتغليب المحقق على المقدر أو لتنزيل ما في شرف الوقوع منزلة الواقع ، قال القاضي الإنزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل ، وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها ، قال الإمام المراد من إنزال القرآن أن جبريل عليه السّلام في السماء سمع كلام اللّه فنزل به على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما يقال نزلت رسالة الأمير من القصر ، والرسالة لا تنزل ولكن كان المستمع في علو فنزل وأدى في سفل ، وقول الأمير لا يفارق ذاته اه . قال الخفاجي وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه أي يجزم بالنزول من غير معرفة بكيفيته وهو الحق إذ مثل هذا من التدقيقات الفلسفية لا ينبغي ذكره في التفسير اه حاصله . قلت : ويرد على مذهب بعض السلف ما ورد في الأحاديث الصحيحة من بيان كيفية الوحي وبدئه وبه ترجم البخاري ، وهو أول باب عنون به كتابه الصحيح . وقد نطق به القرآن ، ولا شك أن كلامه سبحانه المنزل على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مسموع بالآذان مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور ، مكتوب في المصاحف ، له حرف وصوت كما دلت عليه السنة المطهرة في غير موضع من دواوين الإسلام وزبر الإيمان ، وليس هذا موضع بسطه ، وسيأتي الكلام عليه تحت تفسير قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ : 23 ] . وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وهو الكتب السالفة المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها ، والإيمان بالكل جملة فرض عين ، وبالقرآن تفصيلا فرض كفاية ، قيل هو مؤمنو أهل الكتاب ، وفيهم نزلت ، وقد رجح